www.sunnaonline.org

www.sunnaonline.org

www.sunnaonline.org

www.sunnaonline.org


ورحل العلم الشامخ والسراج المنير

بقلم رئيس جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية سماحة الشيخ حسام قراقيرة

قال الله تعالى في كتابه العزيز ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (63) ﴿الَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ (64) ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (64) سورة يونس

 

الحمد لله الذي لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وءاله وصحبه الطيبين الطاهرين ما سجد ساجدٌ وما راكعٌ ركع. أما بعد، يقول الله تعالى في القرءان الكريم ﴿يا أيها الذين ءامنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون ولنبلونكم بشىء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبةٌ قالوا إنا لله وإنّا إليه راجعون أولئك عليهم صلواتٌ من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ (سورة البقرة ءاية 153 - 157).

 

لقد شاء الله تبارك وتعالى أن يخلقنا في هذه الدنيا فأوجدنا ورزقنا من النِعم شيئًا كثيرًا فقال عزّ من قائل ﴿وإنْ تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾. وفاضَلَ بين الناس فترى غنيًا وفقيرًا، وصحيحًا وسقيمًا، وعزيزًا وذليلًا، وصالحًا وفاسدًا. وكل ذلك لا شك لحكمة يعلمها عزّ وجلّ، وفي ذلك ابتلاءٌ واختبارٌ، فلينظر المرء إذن فيما يصلحه ويحفظ نفسه فالسلامة في الدين لا يعدلها شىء، وقد جعل الله الدنيا على ما هي وما فيها من متاع وبهرجةٍ تشغل نفوس الكثيرين، فهي دار بلاء ومحن فلا تدوم لأحد ولا تصفو لأحد. وهي كالراحلة إن ركبتها حملتك وإن ركبتك قَتَلَتْك، وإذا كان الأمر هكذا فنحن في الدنيا عرضةٌ للبلاء ولا يدري الواحد منا ما قدّر الله له مما يصيبه في دار الفناء، وقد شاء الله تعالى أن يكون الصالحون أكثر الناس بلاءً، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أشدُّ الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يُبتلى الرجل على حسب دينه». ولو تصفح الواحد منا كتب التاريخ وقرأ أخبار الأولين وسير القرون الأولى ونظر فيما جرى للأنبياء وأممهم لرأى عجبًا.

 

فقد ابتُلِي ءادم عليه السلام وهو أبو البشر وأول الأنبياء فأهبط من الجنة التي لا نكد فيها ولا تعب إلى الأرض دار النكد والتعب والبلاء وعوّضه الله صبرًا عظيمًا فنال رفعةً ومقامًا عاليًا. وابتُلِي نوح عليه السلام وهو أحد أولي العزم من الرسل، وأول من أرسل إلى الكفار، وقد كانوا يؤذونه ويعادونه وكانوا أحيانًا يضربونه حتى يُغمى عليه فصبر فعوّضه الله أجرًا وعزًّا ونصرًا على الكافرين ونجّاه ومَنْ معه بسلام.

 

وابتُلِي الخليل إبراهيم عليه السلام وهو أفضل نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم فألقاه الكفار في النار فكانت بردًا وسلامًا عليه ولم تؤثر فيه ولا في ثيابه. وأُمِر بذبح ولده إسماعيل فسلَّم وانقاد لأمر الله وأمرَّ السكين تنفيذًا للأمر ولم يشأ الله لها القطع، وهو في ذلك كله صابرٌ محتسبٌ شاكرٌ لله ربّ العالمين، فكان قدوةً وأسوةً في طاعة الله والصبر على البلاء والتسليم لله ربّ العالمين، وقد مدحه ربنا فقال ﴿سلامٌ على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين﴾. وما هذا إلا غيضٌ من فيض ولو بسطنا الكلام في هذا الموضوع لطال وطال، ألم يُبتلى أيوب بموت أولاده الأربعة عشر في ساعة واحدة، وبالمرض الشديد غير المُنفّر ثمانية عشر عامًا. ألم يُنشر زكريا بالمنشار ويُذبح يحيى بالسيف. ألم يقم حبيب الله محمد صلى الله عليه وسلم داعيًا إلى الله فتعرض له عمه أبو لهب بالسّب، وسفهاء قريش بالافتراءات والأكاذيب، وأهل الطائف بالرمي بالحجارة، وأجلافُ المشركين بالحرب وتعذيب مَنْ قدروا عليه من أصحابه. فبلالٌ الحبشي يُضْرب وتسيل دماؤه، وسُميّة تُقتل ويصبر ءال ياسر فيبشرهم عليه الصلاة والسلام بالجنة. ويُهاجر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم فيخرجون لقتله، ويحاربونه في بدر وفي أحُد وفي الخندق وغيرها، ومع ذلك يقول لهم في فتح مكة «اذهبوا فأنتم الطلقاء» فيا له من ثبات وصبر فاق صبر كل الصابرين وثبات كل الثابتين.

 

ومن هنا نقول جديرٌ بالمرء أن يتعظ بعد كل هذا وأنّ يعلم أن الدنيا متاعٌ قليل وأن السلامة من ءافاتها تكون بالصبر. فمن صبر على طاعة الله رفعه الله، ومن صبر عما حرّم الله أكرمه الله، ومن صبر على البلاء تسليمًا واحتسابًا لله زاده الله تعالى أجرًا وخيرًا. وليُعلم أن مشيئة الله نافذة وما قُدّر يكون فمن صبر واحتسب لله كان مأجورًا، وأما من اعترض على الله فقد أهلك نفسه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنّ عِظَمَ الجزاءِ مع عِظَمِ البلاء وإنّ الله تعالى إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومَنْ سخط فله السُّخطُ» رواه الترمذي.

 

وها نحن اليوم قد ابتلينا بفقد شيخنا الحبيب الإمام العلامة الشيخ عبد الله بن محمد الهرري الشيبي المعروف بالحبشي الذي كان له علينا ما له من المِنّة إذ يسّر الله تبارك وتعالى لنا بسببه أن نغترف من معين العلم ونكون على حظٍ من المعرفة حيث كان رحمه الله عَلَمًا شامخًا وسراجًا منيرًا، يرشد ويُفقه ويبين للناس المفاهيم الصحيحة ومنها أن الله موجودٌ بلا مكان قال تعالى ﴿ليس كمثله شىء وهو السميع البصير﴾، وأنه مهما تصورت ببالك فالله بخلاف ذلك، ومن وصف الله بمعنًى من معاني البشر فقد كفر. ففتح الله تبارك وتعالى بهذا العالم الرباني أعينًا عميًا وءاذانًا صُمًّا، فأحبه الناس الذين ءاثروا التمسك بتعاليم الدين الحنيف والسير على درب الاعتدال بعيدًا عن الغلو والتطرف.

 

مات شيخنا الهرري رحمه الله وأعلى مقامه، والموت حق، لكن الدعوة مستمرة فالشيخ رجلٌ من أمةٍ إمامها سيد المرسلين محمد بن عبد الله الهاشمي صلى الله عليه وسلم، أمة خرج منها الأبطال والعلماء والأولياء. وسلوانا أن نتذكر ما قاله حسان ابن ثابت رضي الله عنه في رثاء سيد الأولين والآخرين سيدنا وعظيمنا محمد صلى الله عليه وسلم:

 

إصبر لكـل مصـيبةٍ وتجلّدِ

واعلم بأن المرء غـير مخلّدِ

وإذا أتتك مصيبةٌ تشجى بها

فاذكرْ مُصابك بالنبيّ محمد

 

نِعْمَ النعمةُ الصبر ونِعْمَ العاقبةُ الثوابُ والأجر، فلقد ءامنا بالله وبما جاء على لسان رسول الله، وقرأنا في كتاب الله تعالى قوله ﴿وبشر الصابرين﴾ وقوله ﴿يا أيها الذين ءامنوا اصبروا وصابروا﴾ وقوله ﴿إنما يُوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ وقوله ﴿ولمن صبر وغفر إنّ ذلك لمن عزم الأمور﴾ وءاياتٍ كثيرة كثيرة. وبلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله «الصبر ضياء»، وقوله صلى الله عليه وسلم «مَن يتصبر يُصبّرُهُ الله ما أعطيَ أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر». وقوله صلى الله عليه وسلم «ما يصيب المسلم من نَصَبٍ ولا وَصَبٍ ولا هَمّ ولا حَزَنٍ ولا أذى ولا غَمّ حتى الشوكة يُشَاكها إلا كفَّرَ الله بها من خطاياه» وأحاديث كثيرة كثيرة.

 

وقد جاء في فضائل الصبر وحسن عاقبة الصابرين ما يطول ذكره وبسطه، فطوبى لمن عرف حقيقة الدنيا فلم ينخدع بها وعرف ما يُنجيه فقام به وصبر عليه، فإنما أيام الدنيا قليلة وقصار، ومتاعها إلى خراب فاثبت أيها العاقل على طاعة الله تعالى واذكر قول أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه وكرّم وجهه «ارتحلت الدنيا وهي مُدبرة وارتحلت الآخرة وهي مُقبلة فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا اليوم العمل ولا حساب وغدًا الحساب ولا عمل».

 

اللهم ارزقنا حسن العمل اللهم ارزقنا حسن العمل.


Pin it

تاريخ الإضافة : 18/11/2010
الزيارات : 2365
رابط ذو صله : http://www.sunnaonline.org
الكاتب : SunnaOnline | سنة اون لاين
القسم : مقالات في فضائل الهرري

التعليقات على الماده